الأخبار المحليةثقافة وأدبسياسة محليليبيا

مقال( خاص ) : جامعات مغلقة خير من أن تخرج أنصاف جامعيين!!!

كتبه : أبو بكر محمد فحيل

إلى السيد وزيرالتربية التعليم والسادة بالجامعات الليبية : لا نريد في دولة ليبيا المستقبل أن نقول:
جامعات مغلقة خير من أن تخرج أنصاف جامعيين!!!

إن المنزل الذي لا توجد فيه مكتبة ولو مكونة من عشرة كتب إنما هو منزل فاقد الحياة.. وليس طبيباً من لا تجد في مكتبة بيته كتاباً عمدة في التشريح وكتاباً عمدة في علم وظائف الأعضاء وكتاباً عمدة في الطب الباطني “أو الباطنية كما اصطلح عليه في السنوات الأخيرة” ، وكتاباً عمدة في كل اختصاص من تلك الاختصاصات التي يمسها وهو يدور بمرض الناس في الإصباح والإمساء على السواء.. ولا تنس كتاباً عمدة في صحة المجتمع..

وليس مهندساً من لا يكون في منزله مثل ذلك من شتّى اختصاصاته وليس معلماً ولا عالماً ولا مؤرخاً ولا فقيهاً ولا مثقفاً كانت ثقافته ما كانت ولو في ركن من منزله وبها طائفة من كتب في العلم الذي فيه اختصاصه ولا أزيد مع أن الزيادة على كتب الاختصاص ضروري وبالمناسبة نسرد رواية للمرحوم الدكتور أحمد زكي رئيس تحرير موسوعة العربي “فيقول.. وكان أن التقيت بأخوين أحدهما طالب في كلية طب والثاني طالب في كلية هندسة.. وسألتهما كيف الحال حيث هما؟ قائلاً: الحال خير ودخلنا نسوق الحديث في الدراسة.. فسألت طالب الطب وهو في السنة الثانية.. أي الكتب يدرسون ؟ فعلمت منه :أن لا كتب عندهم.. إنما هو كلام الأستاذ يلتقطونه من فمه التقاطاً ويكتبونه على الورق وأن هذا هو مرجعهم الوحيد وعلمت مثل ذلك من طالب الهندسة: التقاط من فم الأستاذ تساعده مذكرات وأوراق متناثرة من الأساتذة مختصرة موجودة في محلات تصوير المستندات تباع للطلبة وكان الله بالسر عليماً.. والكتب وما فيها من شروح واسعة تفيض عمّا يتسع له وقت الأستاذ وتفيض مواضيع فوق ما يهدف له الأستاذ والرسوم الإيضاحية والمداخل التاريخية والحسابات التفصيلية أين يكون مكانها؟ لاشيء من ذلك.. العلم كله في هذه اللقطات والعلم كله في هذه المذكرات بمحلات التصوير لتباع لطلاب الجامعات ومنها الطب والهندسة ويقول الدكتور رحمه الله عن نفسه.. وذكرت زمناً هو الآن بعيد عن يوم كنت طالباً في بلد من بلاد الغرب فتذكرت شيئاً عجباً.. نحن الطلبة كنا نحضر المحاضرة ونستمع إلى المحاضر ونلقط في الأوراق البيض نقاطاً ويؤكد لنا الأستاذ أن محاضرته هذه ليست إلا تمهيداً لما سوف نقرأ في كتبنا ليلاً.. أما في محاضرته فهو يبين لنا الخطوط العريضة للموضوع الذي يتحدث فيه ويرسم لنا الطرق السلطاني ويدع الشوارع التي تتفرع عنه للكتب تتحدث عنها: إن ساعة حديث واحدة لا تكفئ أن النهار للإجمال والليل بيننا وبين الكتب التفصيل ويأتي الليل فأراني قاعداً وعلى الطاولة أمامي كتابان كبيران كل منهما عمدة وأمامي لقطات لقطتها من لفظ الأستاذ تهديني إلى تعريفي طريقي في هذين الكتابين ثم كراسة هي كراستي لهذا الفرع من العلم أنقل إليها المحاضرة التي أجمعها لنفسي بنفسي من مصادر ثلاثة.. لسان الأستاذ صباحاً وحديث هذين الأستاذين المؤلفين الكبيرين إليّ ليلاً. إنه الكتاب والأستاذ معاً وإن كان لابد من خيار وجاز الخيار لقلت الكتاب أولاً وللأستاذ المحل الثاني ذلك أن الكتاب أستاذ عمدة تحدث ثم صمت والكتاب سجل حديثه وأنا إذ تخيرته إنما تخيرت الأستاذ الغائب الحاضر الذي يتسع لي من وقته ما أشاء أما الأستاذ الحي فنافع لا محالة وفيه الحياة والحياة كالنار فيها الدفء وفيها الحركة.. وأسمع من يقول إن التعليم الجامعي والعالي في ليبيا لم يتقدم على مر عقود من الزمن بالنسبة التي يرجي لكل إنتاج آخر أن يتقدم بها.. ولا أستطيع أن أثبت أو أنفي ولكني أحس بالطامة الكبرى أن يصدق هؤلاء فالتعليم رأس الحربة في كل تقدم وأطلب الأدلة فيكاد يقوم ما سمعت وشاهدت وكنت قريب الصلة على مدى السنوات وأنا أرافق ابنتي وهي تدرس الطب.. كل ذلك بسبب غياب الكتاب الجامعي ولا يمر يومً إلا وكنت على اتصال بمحلات تصوير المستندات وعلى مدى سنوات كانت آلاف من الأوراق المصورة.

وهناك من يقول أن لأتخرج الدولة جامعيين وفنيين خير من أن تخرج أنصاف جامعيين أو أنصاف فنيين.. إنهم صانعو الدولة في غدها ولا نريد دولة مشلولة ونصف مصنوعة (كما هي عليه الآن ومنذ عقود ) فيها أطباء ولكن أنصاف والفيزيائيون والكيميائيون ولكن أنصاف وأرباع أو أخماس والدولة التي تجعل التعليم بالمجان جدير بأن تجعل الكتب بالمجان على صورة ما وموجودة وختاماً إذا كان الحديث عن الكتاب فقد يكون كذلك عن القراءة وإذا الحديث عن القراءة فكان كذلك الحديث عن الكتاب والتخلف الكتابي إن كان خطره بيناً في المراحل العليا من التعليم فهو ليس أقل خطراً فيما قبل ذلك من مراحل.. كثيراً ما يقف عندها الدارسون.. والشائع عندنا أن الناس لا تقرأ والقراءة ناقلة فكر وناقلة رأي وناقلة علم وثقافة وتقنية وفن وكل ما هو خطير لازم لحياة المواطن الراتبة وكذلك لخطوات لابد من تجاوزها ليسير مع الركب الإنساني على مستوى الأيام والسنين “والذين لا يقرؤون يتخلفون عن الركب”.. إن شبه الأمية متفشية عندنا وليس كل من فك الخط أو حتى يحمل مؤهلاً بقارئ وليس كل من خرج من أميته بقارئ كتاب.. إنه شبه أمّي والله المستعان

إعداد :أبوبكر محمد فحيل البوم : مفتش تربوي سابق

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق