ثقافة وأدبغير مصنفليبيامقال

مقال ( خاص ) : طاسة شاهي جنوبية

بقلم الدكتور: عبد القادر الفيتوري

غارقا في صمته .. غير آبه بوجودي ، كحال هؤلاء الذين يلبسون الصحراء ، اطراف قرية نائية بالجنوب ، في حالة توحد مع الذات الحائرة ، هائما يلئم احلامه الممزقة ، ارقه وهج السنين ، وتدافع الأشباح آخر الليل ، نظراته تقول ما لا تستطع الافواه قوله .. يهيم لوحده والسكون ينزف انفاسه في صحراء الصمت .. يداعب في جوفه كثلة احاسيس ، وركام تعب المسافات الطويلة .. ما الذي يؤرق خلوتك في جنح الليل البهيم ؟

حدجني بنظرة اكتئاب ، ودهشة المفاجأة لحضوري بلا ميعاد .. ومضى الى المجهول ينفث تمتمات تعزف لحن سجي على اوتار وحشة الوجود .. قائلا .. اهلا بك يا صديقي .. لقد انست وحدتي وأنقذني حضورك من مغبة ثقل هواجس أرقت مضجعي .. يا لها من لحظة فارقة إذ خشعت الاصوات وعم السكون .. لا عليك .. لنتسامر سويا .. ذعني اوقد نار الحطب لننعم سويا بكأس من الشاي الاخضر الرقراق .. ولنترك ما عفى عليه الزمن وراءنا .. لقد اصبحنا وفزان هذا الامتداد الجنوبي الصحراوي الشاسع ، اشبه بطائر مهيض الجناح .. تعددت وصفات تضميد جرحه .. وها انا اتمتم لوحدي واجتر شيء مما كتب النخبة عما يضمره لنا القدر الأتي والمصير المرتقب .. وكما ترى .. لا ماء .. لا سيولة .. لا وقود .. لا خبز .. وانفلات امني .. ” والسوينة جفت ” ..الكهرباء مقطوعة كالعادة منذ ايام .. تعال ننفض ظلام اليأس .. ولنجعل مؤانسة الليلة عودا على ما قيل ، وما يقال .

– هات ما عندك ، وما يقال عنا والمكان ؟

– بالامس قرأت تحذيرا لأحد كتابنا ممن لهم سبق وباع ، كتب يقول ( نقل المجلس الرئاسي الى سبها أمر عاجل يحول بين تقسيم ليبيا ) .. ثم اردف بالتحليل كيف هي محاولات دول المستعمر القديم لاحتواء الجنوب ، والسيطرة على مقدراته ، وانه لإبعاد شبح فقدان فزان ، يجب ان ينقل مقر الحكومة ايضا الى هنا .. ولا ادري ان كان يريد لفزان ان تكون عاصمة ، فذاك ما لم يصرح به .. تولدت مخاوف وهواجس في نفسي لم تكن بالحسبان ، وتأوهات ولجت بي الى حالة من الهذيان .. لينتهي الى المحصلة قائلا بعجب تغمره الدهشة : ” بعدما رأيت سبها الحزينة وأوباري البائسة استغرب لقوم لم يخرجوا من اجل آدميتهم .. الساسة يعولون على طيب وخلق أهل فزان ” .. وكما ترى .. نحن لم نكن يوما طرف بالسجال حول العاصمة السياسية ولا الاقتصادية ، ولم نطالب بأن تكون سبها او مرزق او جرمة اوغيرها من واحات فزان العاصمة الصحراوية ولا السياحية ولا التكنولوجية .. ألا يعود هذا لسداجتنا .. ام انها طيبة تأصلت في نفوسنا ، ليتراكم البؤس الذي ” افقدنا ادميتنا ” حسب تعبيره . ولما لا نتحدث نحن عن الاخطار المحدقة بنا ، أم ان صوتنا الجهوري اضحى متهم ؟ !! .

لم اجد الكلمات التي تواسي حزنه العميق .. تلعثمت الحروف في حلقي .. حل الصمت .. وتقافزت النظرات يمينا وشمالا .. كان غطاء ابريق الشاي يكاد يطير فزعا من شدة لهيب الجمر .. لقد اسعفني .. وبعثر هواجس الاسئلة الفاقدة للإجابات .. قلت له : ” صب طاسة شاي .. وبدل ساعة بساعة ” .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق