ثقافة وأدبسياسة دوليسياسة محليليبيامقال

((كيف تنتشل الكاكوية من قعر الفنجان؟))

بقلم الأديب والكاتب : عبد الرحمن جماعة 

آخر مرة فكرت فيها أن أؤلف كتاباً كانت قبل سنتين، وتحديداً حينما قرأت كتاباً لأحد السياسيين.
هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية للكاتب المرموق، وإنما سيرة لكل رفقاء دربه الذين كانوا معه في نفس (الجنة) – حسب وصفه السابق-، أو في نفس الجحيم (حسب وصفه اللاحق).
أو ربما هو سيرته الذاتية بمفهوم المخالفة، أي إظهار السيرة السيئة لخصومه ليتوهم القارئ أن الكاتب خلاف ذلك.. وهي خطة كادت أن تُوصف بالذكاء لولا وجود (اليوتيوب)!.
..
ذلك الكاتب (العظرطي) لم يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا وأحصاها على هؤلاء الرفاق الذين لم يكن لهم ذنب إلا مرافقتهم له.
قبل أن أقرأ هذا الكتاب كنت على حافة أن أتورط في تأليف كتابي الأول، والذي اخترت له عنواناً براقاً وهو “كيف تنتشل الكاكوية من قعر الفنجان؟”
وهو بلا أدنى شك كتاب قيم لم يسبقني أحد إلى تأليفه، وسبب اختياري لهذا الموضوع هو أنني تورطت عدة مرات – وأنا ضيف – إلى مواقف محرجة مع الكاكاوية، حين تشبثت بضع حبات بقعر الفنجان رافضة الخروج وكأنها أدركت بأن مصيرها الالتهام.
حينما قرأت كتاب صاحبنا تمنيت أن أمتلك نفس درجة برودة وجهه، وذلك لسببين:
السبب الأول: لكي أتمكن من انتشال حبات الكاكاوية بإصبعي كما كنت أفعل دائماً حين أخلو بفنجاني.
السبب الثاني: لكي أمضي قُدماً في تأليف كتابي، والذي أبتغي من وراء تأليفه النفع لكل من يقرأه.
..
كان هذا قبل أن أكتشف الطريقة المثلى لتخليص الكاكوية من قعر الفنجان، وهي أن تترك آخر رشفة من الشاي لتستخدمها في خلق دوامة داخل الفنجان، ثم تدلق ما في الفنجان في فمك، فتخرج كل محتوياته دون عناد.. وهذه الدوامة هي بالضبط ما يسميه البعض: “الفوضى الخلاقة”!
وهنا تحديداً لم أعد بحاجة لانخفاض درجة حرارة وجهي لكي أتعامل مع الكاكوية، لكنني لا زلت بحاجة لأن أدفن وجهي في (انتاركتيكا) لليلة كاملة حتى أتمكن من تأليف كتابٍ في مستوى كتاب صاحبنا.
صاحبنا هذا سياسي، ومتكلم بارع، لكنه غفل عن أهم مبدأ من مبادئ السياسة، وهو أن لا تخلط بين المواقف السياسية، وبين المبادئ.
كما غفل عن نقطة مهمة في العمل السياسي، وهي أن تؤجل كتابة مذكراتك إلى ما بعد اعتزال السياسة.
..
الفائدة الوحيدة التي خرجت بها من قراءتي لهذا الكتاب؛ هي أنني صرت أكثر جرأة على تأليف كتاب لا يقل تفاهة عن كتاب صاحبنا، وأن تأليف كتاب بهذا المستوى من العُهر لا يتطلب مهارة كبيرة في الكتابة، بقدر ما يتطلب مهارة فائقة في (صحة الوجه)!.
وعلى ذكر العهر..
فإن مقارنة بسيطة بين مذكرات السياسيين العرب، وبين رواية “برهان العسل” السيرة الذاتية للروائية السورية (سلوى النعيمي)، تبين لنا بأن سلوى لم تدَّعِ الشرف أو العفة أو النزاهة، خلافاً للسياسيين الذين لا يكاد يخلو سطر من سطور مذكراتهم من من كل ذلك، ولولا علمهم بأن الناس ظاهرون على حقيقتهم؛ لقالوا لنا بأنهم أنبياء معصومون!.
كما أن الكاتبة لم تلجأ إلى خلق دوامة لتُخفي وراءها قُبح فِعالها.. كما أفعل أنا مع الكاكوية!.


  • الكاكوية = الفول السوداني.
  • عظرطي = مفنقل.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق
إغلاق